أخبار

عندما تكون القسوة العلاج الوحيد

عندما تكون القسوة العلاج الوحيد

عندما تكون القسوة العلاج الوحيد
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​لم يكن الجفاءُ يوماً غايةً أصبو إليها، ولا كانت الغلظةُ رداءً تمنيتُ ارتداءه في محافل الحياة. لطالما نشأتُ على عقيدةٍ راسخة مفادها أنَّ اللين هو المفتاح الذهبي لكل الأبواب المغلقة، وأنَّ نقاء السريرة هو الجسر الذي سيعبر بي فوق لُجج الصراعات بسلام. كنتُ أظن، بابتسامة الواثق الساذج، أنَّ الطيبة قادرة على ترويض الشراسة في نفوس البشر، وأنَّ بسط الجناح للمسيء كفيلٌ باسترداد رشده. لكنَّ الأيام، في مكرها ودروسها القاسية، لم تكن تكافئ ذاك القلب المفتوح على مصراعيه، بل كانت تنهشُ من أطرافه كلما أبدى صبراً، وتضغطُ على جراحه كلما أظهر تسامحاً، حتى استحال ذاك النور الذي يسكنني إلى عتمةٍ من التساؤلات، وأدركتُ حينها أنَّ الرحمة التي لا يحوطها سياجٌ من الحزم ليست إلا ضعفاً مُستباحاً يُغري العابرين بالدوس عليه.
​إنَّ القسوة التي أرتديها اليوم ليست وليدة لحظةٍ طائشة، ولم تكن يوماً خياراً فجائياً نبع من فراغ؛ بل هي كائنٌ نما ببطءٍ شديد في أقبية الروح المثقلة بالخيبات. لقد وُلدت هذه القسوة من رحم التنازلات التي لا تنتهي، ومن رماد الصمت الطويل الذي شربته غصّةً وراء غصّة. تشكلت ملامحها في كل مرةٍ قمتُ فيها بتنحية نفسي جانباً، ووضعتُ أحلامي وراحتي على هامش الوجود، فقط لكي يظل الآخرون في الصدارة، ينعمون بوهج عطائي ويستظلون بفيء تضحياتي. ومع مرور الزمن، ينكشف القناع عن الحقيقة المرة: أنَّ هناك قلوباً لا تفهم لغة اللطف، بل تعتبرها ضعفاً، وأنَّ هناك نفوساً لا تستقيم إلا إذا واجهت حائطاً صلباً يصدُّ أطماعها. عندها، يدرك المرء أن الحزم ليس ضرباً من الوحشية، بل هو “درع حماية” تأخر ارتداؤه كثيراً.
​هذه القسوة التي أتحدث عنها لا تعني بأي حالٍ من الأحوال الانزلاق نحو الظلم، أو التخلي عن جوهر الإنسانية وقيمها النبيلة. إنها، باختصار، فنُّ وضع الحدود المقدسة. هي تلك اللحظة الفارقة التي تقرر فيها أن تقول “كفى” بملء فيك، دون أن تشعر بحاجةٍ للاعتذار أو تقديم شروحاتٍ مطولة لا تُسمن ولا تغني من جوع. هي أن تختار نفسك أخيراً، وتنتشلها من بئر الاستنزاف، حتى وإن وصمك الآخرون بالأنانية؛ تلك الوصمة التي لا تخرج عادةً إلا ممن اعتادوا استغلال عطاياك بلا ثمن. إنها القرار الصامت، والعهد الغليظ مع النفس، بأن لا تسمح للألم أن يتكرر تحت مسمياتٍ براقة كالتسامح والصفح، فالمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، والروح لا تُكسر تحت نفس المعول مراراً.
​وحين يعتاد المرء هذه “القسوة الضرورية”، يطرأ عليه تحولٌ عجيب؛ إذ يكتشف في قرارة نفسه أنه لم يصبح شريراً أو فاقداً للإحساس، بل صار أكثر وعياً ونضجاً. يحلُّ الهدوء محل الضجيج، ويحلُّ الثبات محل الانكسار. تصبح الرؤية أكثر جلاءً، والقدرة على الاستمرار في معترك الحياة أعظم، لأنك لم تعد تحمل أثقال الآخرين فوق كاهلك المنهك. لقد أدركتُ أخيراً أن بعض القسوة ليست ضياعاً لجمال الروح، بل هي، في حقيقتها، آخر الطرق الوعرة لإنقاذ ما تبقى من هذه الروح قبل أن تتبدد في مهب ريح لا ترحم. إنها قسوةُ الجرّاح الذي يبتر الجزء العليل ليحمي الجسد كله، وقسوة الغيم الذي يبرق ويرعد قبل أن يمنح الأرض غيثاً لا يُبقي ولا يذر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى